المشاركات

عرض المشاركات من أكتوبر, 2020

يااا أنت ...

 يااا أنت ... ومهما حاولت أن أختصر من بوح الكلام ..  تبقى عيناك تحتكران روايات شيقة حيكت بعبارات من نور  ...  تبعثرني إلى نقاط وعلامات ترقيم لأنتشر فوق حروفك المالئة حدقتيك الحبيبتين  ..  ويزداد نهمي للقراءة ... كل ساعة أنهي فصلا ... وأمنع بكل قوتي  إسدال الستارة ...  بل أسارع لتلاوة فصل آخر ...  فأجد نفسي إشارة إستفهام تارة ...  ونقطة في آخر السطر تارة أخرى ..  ثم تقفز تلك النقطة إلى تحت الألف لأصير إشارة تعجب ... وتتعاظم سعادتي حين أنصّب نفسي نقطتين تحت (ياء ) عينيك .. ونقطة فوق نونها ...  وهكذا أنا .. طوع بنانك .. ورهن إشارتك ...  لكنني لا أرغب أن أكون نقطة الوقف .. كي لا تنتهي الرواية ...  أريدها أطول من قصص ألف ليلة وليلة ...  وأكثر تشويقا من حكايا عنترة العبسي ...  أريد لروايتك أن تتصدر روائع الفكر قاطبة  ...  وأن تتسيد عناوين الصحف العريقة ...  وأن تكون حديث الفضائيات ومواقع التواصل...  فلن ينطفئ وهجُ عينيك مادامت الأبجدية ماثلةً في سوادهما ..  ولن يتوقف سيل الروايات مادمت حيا...

حنين...

حينما يتقد حنيني إلى طيفك المسافر ..أهرع إلى قلمي وأوراقي .. وتأتي نجمتك لتتسمر فوق دفاتري ...فتبث نورها الساحرفوق كلماتي .. فيزداد ألق الحروف الذهبية ... وينساب القلم وكأنه في مهمة أزلية  ..يترنح كطفل يعشق التزلج فوق ثلج نقي يتساقط لأول مرة بعد طول اشتياق .. فتتراقص حروفي فوق صفحتك وهي تتأنق وكأنها فتاة سوف تُزف إلى أحد الأمراء ..وتبتسم الروح ابتهاجا بالسيد الحاضر أبدا في أروقة الشعر السرمدي ..فيتبختر كالملك في حنايا الروح لأنه يعلم ...بأنه ساكنها الأبدي .. ✍️فادية حسون

يااا أنت ...

 يااا أنت ... ومهما حاولت أن أختصر من بوح الكلام ..  تبقى عيناك تحتكران روايات شيقة حيكت بعبارات من نور  ...  تبعثرني إلى نقاط وعلامات ترقيم لأنتشر فوق حروفك المالئة حدقتيك الحبيبتين  ..  ويزداد نهمي للقراءة ... كل ساعة أنهي فصلا ... وأمنع بكل قوتي  إسدال الستارة ...  بل أسارع لتلاوة فصل آخر ...  فأجد نفسي إشارة إستفهام تارة ...  ونقطة في آخر السطر تارة أخرى ..  ثم تقفز تلك النقطة إلى تحت الألف لأصير إشارة تعجب ... وتتعاظم سعادتي حين أنصّب نفسي نقطتين تحت (ياء ) عينيك .. ونقطة فوق نونها ...  وهكذا أنا .. طوع بنانك .. ورهن إشارتك ...  لكنني لا أرغب أن أكون نقطة الوقف .. كي لا تنتهي الرواية ...  أريدها أطول من قصص ألف ليلة وليلة ...  وأكثر تشويقا من حكايا عنترة العبسي ...  أريد لروايتك أن تتصدر روائع الفكر قاطبة  ...  وأن تتسيد عناوين الصحف العريقة ...  وأن تكون حديث الفضائيات ومواقع التواصل...  فلن ينطفئ وهجُ عينيك مادامت الأبجدية ماثلةً في سوادهما ..  ولن يتوقف سيل الروايات مادمت حيا...

ماذا لو أنك لم تغِبْ .. ؟؟

 ماذا لو أنك لم تغِبْ .. ؟؟  ماذا لو بقيتَ ماكثًا بين حنايا الروح ..؟ ؟  لعلك لاتدرك حجم اشتياقي.. أو لعله عوَزٌ غير مسبوق لطيفك الحبيب... أتعلمُ ماذا كنتُ لأكونَ لك في شيخوختك لو بقيت ؟؟  كنت سأصيرُ  عكّازَك حين تخذلُك قدماك عن المسير في طرقات الحياة الوعرة... وسأكون نظّارتك التي تبصر بها الكون حين تترهل شبكية عينيك... سأكون سمّاعةً في أذنيك حين يغلظُ غشاءُ الطبل في حضرة تقادم السنين... سأكون لك حقنة الأنسولين فيما لو فاضت حلاوة دمك وفقدتَ السيطرة على انضباط السكّر في أوردتك وشرايينك ... سأكون لك كبسولة الدواء حين يداهمك الصداع...  وبوصلتك حين يهيج البحر وتفقد سفينتك بصيرتها... سأكون مظلتك...  حين تشتدُّ رمضاءُ تمّوز...  وحين يباغتك مطرُ أيلول...  سأكون معطفك حين ترتعد أوصالك في ليالي كانون الباردة.. كنت سأشاطرك قهوتك الصباحية على أنغام فيروز...  وسأتلو بصوتٍ عالٍ أعذب كلماتي التي كنتَ تعشقُها وماتزال .. وسأمتّع مقلتيّ بالنظر إلى وجهك المبتسم وهو يروي لي ألف الف قصيدة غرام... لكنك ياشهرياري آثرتَ الغياب بإلحاح..  فسكتت شهرزادُك عن ...

فرحة موؤودة ...

 كمِرجل ماء يغلي بما فيه.. كان قلبها الضعيف يغلي..  شيءٌ ما في داخلها بثّ ذعرا وحزنا لم تذق مثلهما في حياتها... كان السوق يكتظ بمئات الامهات والاطفال.. يتزاحمون بفرح فوق الارصفة  وفي الشوارع وفي المحال التجارية..لانتقاء ملابس العيد  كان الوقت عصرًا .. وقلب أم حسام كان يعتصر ألمًا كلما  رأت طفلا يسير بجوار أمه على قدميه.. فصورة قدم ابنها حسام المبتورة كانت تنتزع كل عوامل الفرح من قلبها المنكسر... أمسكت جيدا بحقيبة يدها كمن يتشبث بكنز ثمين حصل عليه بطريق  الصدفة.. خشية أن ينشل أحدهم نقودها التي تكرمت عليها بعض الجمعيات الخيرية.. شعرت لبرهة أن قدميها تخذلانها ولم تعد تقوى على متابعة المسير.. وقد التصق لسانها بسقف حلقها ظمأً ولهاثًا .. وحبّات العرق تُذرف من مسام جسدها كجمهور عريض يحتج  لاإراديًّا على رمضاء هذا اليوم القائظ.. كلمات طفلها حسامٍ ذي الاعوام الثمانية مازالت تدقّ في رأسها كل لحظة كضربات إزميل أرعن .. (( ماما.. هل ستشترين لي حذاء جديدا  كما في كل عيد ؟ )).. لم تستطع حينذاك إخفاء عبراتها حين سمعت صوته الطفولي المتهدّج والذي يحمل الف رسالة قهر...

غربة الروح

غريبة أنا.. لا أدري إن كان يحق لي أن أتغافل عن حجم إغترابي.. إلى خارج أسوار وطني الحبيب آوي .. تعركني رحى الغربة فأتناثر وليس إلى لملمة شعثي من سبيل ..  هجرت بيتي وأحبتي وأشجار الصنوبر والتفاح ورائحة الأقاح... تركت أعشاش العصافير المنشأة فوق شجرة السرو التي لاتزال تنتصب امام منزلي بشموخ..  هنا... الوجوه غريبة.. والقلوب فقدت فن التآلف.. وقلبي يعتصر ألما ... يبحث عبثا عن كسرة إطمئنان.. أخبار الموت والدمار تنتهك مساحات الأمان.. فأضيق ذرعا بابجديتي المتلعثمة في حضرة النقائض.. أتوق مخلصة للارتماء على صدر أمي الغائبة.. أود لو أبثها تنهدات قلبي المرهق.. أتوووق  إلى لمسة يدها تربّت على كتفي.. علّها تجتث بعض حزني..  يحاولون منعي من ارتداء عباءة حزني رأفة بنفسي.. لكن العباءة هي التي ترتديني..  والحزن ينتعلني ويسافر بي إلى ماوراء الشريط الحدودي الشائك.. الذي تنغرس أشواكه في كل تفاصيلي.. بات الأسى منهجي.. يخونني الفرح عند كل محطة... تقتلني قتامة المشهد.. احاول ان أروّض حروفي على انغام الفرح.. لكنه موؤووود في نفس لحظة ولادته.. نعم موؤود.. فبأي ذنب تقتل الغربة فرحي ؟؟!! ...

ثكلى من غير موت ....

مشبعةً بدموع القهر والإذلال ... حزمت سعادُ حقائب ملابسها وسطَ نحيب أطفالها والتفافهم حولها ممسكين بذيول ثوبها بأصواتهم المنكسرة: ماما أرجوك لاتغادرينا.. فنحن نضيع من دونك..  جثت على ركبتيها واحتوتهم بذراعيها المثخنتين ضربًا وألمًا وهي تجهش بصوتها المخنوق... لكم الله يانبضات القلب فهو حسبكم وحسبي..  تعلثمت شفتاها ..وتعثر لسانها عن الإكمال..  وتولّت عبراتُها إيصال الرسالة الحارقة...   كان جلّادُها جالسا على الأريكة تقطر من وجهه الدميم ملامح الغضب والسادية .. بينما تكتظّ منفضةُ السجائر أمامه بالرماد وأعقاب السجائر المطفأة بنزقٍ شديد... وكثورٍ هائج كرر عبارته القبيحة: اخرجي من منزلي أيتها السافلة ولا تعودي مجددا...  كان وقعُ كلماته المكررة أشبهَ بتوابع زلزال مدمر أجهزَ على البقية الباقية من روحها المتصدّعة....  نهضت متثاقلة واتجهت نحو الباب تجرّ ذيولَ قهرها وخيبتها .... وأمتعتها التي لطالما كانت شاهدًا أبكمَ على ضربها وإذلالها...  أغلقت الباب ببطء وخرجت...  شعرت بأنها أقفلت باب عمرها... بيديها..  صرخت بملء صوتها: رباهّ إني استأمنتك فلذات قلب...

مصرع حلم ..

كعادتها حين تصاب بالتوتر .. بدأت سلمى  تقضم   نهايات أظافرها مثل قط جائع استأثر بقطعة عظم شهية ...  جلست في مكانها الذي لطالما اعتادت الجلوس فيه على كرسي القش المركون في إحدى زوايا شرفتها المطلة على الطريق .... وابل من الرصاص أفاقها من نومها الذي أصبح شبه مستقر في الآونة الأخيرة ...كان صدرها يعلو ويهبط بسرعة ملحوظة ..ولسانها يردد بارتباك شديد ما تختزنه ذاكرتها المذعورة من أذكار وتسابيح ...شعرت أن أزيز الرصاص المتواصل  قد انتهك حرمة ثباتها وزعزع  لب سكونها .....فأرداها صرعى فوق ركام من الأحلام الذابلة .... كان جل  تفكيرها مركزا على ذاك الرجل الذي استساغته روحها من بين كل الرجال .. الرجل الذي سمحت لنفسها أن تكسر قيود الكبرياء من أجله .. لتدعه يلج إلى قلبها وجوارحها دونما استئذان ...  كان الهدوء في القرية بعد مطر الرصاص أشبه بنعيق بومة رابضة فوق أغصان قلبها المذعور .. واستطاعت نسمات متسربة من حقائب أيلول القادم أن تحدث قشعريرة غير محببة في أوصالها المرتعدة أصلا ... انهمرت دمعتان من عينيها المترقبتين لخبر يسر خاطرها حين صدح صوت مؤذن القرية بأذان الفجر...

أنثى من رماد ...

لم يشأ محمود مغادرة المقهى في تلك الليلة الشتائية الباردة.. وكأن جسده التصق منذ قرن بذاك الكرسي الخشبي العتيق.. أسند مرفقيه إلى الطاولة التي كانت تكتظّ بفناجين القهوة ..وعلب التبغ الفارغة.. بالإضافة إلى بعض الأوراق التي عركها بيديه غيظا حين لم تسعفه لغتُه على إكمال فكرة الرواية .. ثمة غمامة بيضاء من الدخان اعتلت سماءه .. تصحبها تنهداته المتصاعدة ألمًا وحسرة ..  كان وقْعُ القطرات في الخارج يؤججُ رغبته في البقاء.. تأمل الكرسيَّ الفارغَ قبالته واستذكر وجهها الملائكي الذي كان يؤنسه في تلك المساءات المنصرمة ..  بعد كل رشفة قهوة كان يمجّ لعابَ خيباته وجعا وينفثه سمّا مع دخان سجائره في فنجانه .. ازداد وجومُه وهو يقلّب صفحاتِ ذاكرته وكأنه يقرأ في نفسه رواية حفظها عن ظهر قلب..  أفاق من جموده على وقع نقرات نادل المقهى على ظهره المتقوّس ..التفت إليه مقطبًا حاجبيه حنقًا..  وازداد امتعاضُه حين أخبره النادل أنه سيغلق  المقهى.. أطفأ سيجارته عمدا في قعر الفنجان وكأنه يقتص من تطفل النادل.. ضرب بكفه المتذمر على الطاولة تاركا بعض النقود ثمن مااحتساه من قهوة..  وارتدى معطفه وج...

صرخة روح ..

فتح أحمد باب المنزل بحذر شديد محاولا عدم اصدار صوت كي لا تتنبه فاطمة لقدومه ...فقد كان حريصا على إخفاء ملامح الحزن الذي اعتلى وجهه المرهق ... رمى جسده على سريره وهو يجهش بالبكاء بصوت مخنوق تغوص ذبذباته في حشوة الوسادة ... لاتزال حروف الطبيب تنغرس في رأسه كرؤوس مسامير فائقة الصلابة .. حاول كثيرا النأي بتفكيره عن تلك الحقيقة الكاوية ...ود للحظة لو يفقد ذاكرته عند عتبة ذلك النبأ الموجع ..كلمات قاتلة قالها الطبيب وقعت على قلبه كصاعقة مباغتة : ..(ادع لها فأيامها معدودة ..إنه السرطان قد نال من جسمها حد الهلاك ) ...  وفي غمرة بكائه تنبه أحمد إلى أصوات قرقعة الأواني آتية من المطبخ ..إنها فاطمة ..تحاول كعادتها و رغم أوجاعها أن تجهز الغداء لزوجها وطفليها .. نهض متثاقلا مثل مريض يدنو من حافة الموت .. مسح دموعه ... استجمع قواه ...اتجه نحو غرفة الجلوس .. رآها تمشي ببطء شديد ...تحمل بعض الأطباق بيدين راجفتين هزيلتين ...  ابتسمت ابتسامة صفراء حين رأته وقالت : حمدا لله على السلامة حبيبي .. قال وقلبه يتفطر ألما : لماذا تتعبين نفسك فاطمة ؟ عليك أن ترتاحي ..  قالت : لاعليك .. لن أتخلى عن مه...

بوح الياسمين

 فوق مساحة عينيك الغائبتين .. تسكن القوافي ... وتتدفق الكلمات ... تود الانعتاق من أسرِ المسودّات ... لتسقطَ فوق سطوريَ الأنيقة ....  فوق أوراقي المشتاقة  لنورك الذي سرقته  من خيوط الشمس ... ولعطرك المنهال فوق طيفك بالأمس ... لتنهدات صدرك الحنون .. وقلبك وحبك المكنون .. فيشرئب شعري  كإعصار مجنون .... ليغرقَ قصائد الشعر الأزلية.. ويبسطَ نفوذَه  بكل همجية ... وأنا أغرف وأغرف من بحر عينيك  المكتظتين بالمعاني إذ لا حدود ..  لا انتهاء  لبحر الأبجدية ... فأنظر بعينيَّ إلى قبة السماء ....  لأرى القمر قد فر على استحياء  فما تزال عيناك تفيض بالضياء ... وسرعان ما أدركت سر فرار القمر  من ساحة القضية ... فادية حسون..

مسابقة أكمل القصة..

لا لن ألوّح لك بيدي،ولن  ألتفت لأفوز منك بنظرة أخيرة ،انتهى بيننا كلّ شيء،وسأمضي وحيدة  حتى آخر الدرب،لقد احتملت كل حماقاتك كل هذه السنوات،،وصبرت وصبرت،وبكيت في سرّي طويلا،ولكنك وبكل غرور وصلف،كنت تعتقد أنني لن  أقطع الشعرة الدقيقة التي تربط بيننا،نعم أحببتك بصدق ولكنّك،،،،،،،،،،،،،      لكاتبها 👆        ---------------- التكملة لي👇 نعم أحببتكَ بصدق لكنك أسرفتَ في تماديك ..  تفنّنت في إبراز  نرجسيتك ومكابرتك..   صرتَ تستنفر كل مافي قعر نفسي من حماقات.. كي أثأر بها لكبريائي الذي عثتَ فيه فسادا... عبثا حاولتُ تعبيد الطريق أمامك بالحب والاهتمام... لكنك كنت تفسده في كل مرة بركلاتك المتكررة  لقلبي الذي بات مثل كرة تتقاذفها قدماك العابثتان بدم بارد ..   حذارِ ياسيدي حذارِ.. فلقد أفلستُ وضاعت الحيَل ... وروحي أصبحت  خرقةً رثّةً من فرط الرتقِ والترقيع .. ولن أدعك تواصل تمزيق البقية الباقية من قلبي الذي كان في يوم من الايام مكتظا بك... ✍️فادية حسون.

زيارة ذات شجون....

لم أشأ مغادرة تلك الجلسة الإستثنائية  التي جمعتني بالعم أبي مصطفی والخالة ليلی .... ذهبت لزيارتهما بعدما علمت أنهما يسكنان في نفس المدينة التي أعيش فيها ..حيث حصلت علی رقم هاتفهما ثم ذهبت إليهما بلهفة بعد إرشادي إلی العنوان ... تربطني بهذه العائلة علاقة نسبٍ بعيدة..إلا أن السوريين هنا لا يبحثون عن القرابات فحسب لبناء جسور التواصل.. بل يبحثون عن نفَسٍ سوري يشاطرهم آلام الاغتراب البغيض ..كان لقاؤهم بي أشبه بلقاء الغريق مع القشة ....وعناق الخالة ليلى كان يصحبه اشتمامٌ عميقٌ متسربلٌ بشوقٍ عتيقٍ متجذّرٍ بين ضلوعها التي تحتضن قلبها الذي أرهقته السنون العجاف  ..  العم أبو مصطفی رجلٌ بلغ الثمانين من العمر  ..من مدرّسي اللغة العربية القدامی ..أنهكته تلك السنون العشر التي أمضاها في ظلمات المعتقل ..وعندما خرج من سجنه الصغير فوجئ بسجن أكبر بكثير حيث لا عمل ولا معيل سوی الله ..شعر بالعجز أمام سبعة أفواه فاغرة وأمهم التي كانت ترسم لهم خلال السنوات العشر .. صورة الأب الذي سيأتي وينهي مأساتهم ...ويضع الخطوط العريضة لمستقبلهم.... راقبته وهو يرتشف قهوته بيدين ترتعشان ناطقتين  بحق...

بوح

 ولا زلتَ يا جار الروح ... عبقا يحتكر مياسم الياسمين ... وحكايةً تُروى على لسان الجدّات الحكيمات .. وإصغاءً مطلقا من أحفاد تدور في مخيلاتهم الصغيرة تفاصيلك الخلبية كبطل أسطوري ... أنت الصياد البطل الذي أنقذ ليلى من براثن ذئب شرس كاد يُجْهز عليها ... والأمير الذي راقص ساندريلا في تلك الليلة الجميلة ثم أصرّ على الزواج بصاحبة الحذاء المخلوع عند عتبة قصره المنيف ... أنت ملامح الثقة المنقوشة على وجه شهرزاد وهي تروي حكاية آخر الليل الشيقة  للأمير المتأهب لبتر رأسها بمقصلة غروره ونرجسيته ... لكنه يُحجم مبتسما في النهاية لتطول سلسلة الحكايات لألف ليلة وليلة ....وتنجو الأميرة الذكية ... ولا تنتهي الحكايات ...أنت البريق  الذي ألحظه في ملامح العابرين إلى النور ... وقصيدة  عشق مسطّرة في كتب الشعر العريق ... وأنشودة تفور فوق ثغور جوقات  الأطفال العائدين مساء من مدارسهم ... أنت نهرٌ من الغزل انتظمت على ضفتيه شجيراتُ عشقٍ تترنّم راقصة على أنغام خريره الآسر الأخاذ ... أنت كل أشيائي الجميلات ...أنت قبس من عالم الروح لا يعرف الذبول .. وشمس تتباهى بجدائلها التي لا تعرف الأفول ... ...

موت الضمير...

 جذبت طفليها بيديها  وضمتهما إلى صدرها في زحمة العيون الرامشة جزعا وترقبا للمجهول ...  كان القارب يتأرجح بصعوبة وكأنه يحتضر على فراش الإنسانية الشائك .. تمسك " مهران  " ذو الربيع الثالث بأمه وهو ينأى بنظره عن الموج المتصاعد كوحش كاسر يتربص بقلبه البريئ ..وهو يحاول اشتمام ما تيسر له من عبق صدر أمه وكأنه يختزن بأنفه أصدق عبير في الوجود قبل أن يغادر هذا العالم الذي ضاق بطفولته .. كانت ترتسم فوق  أعين الجالسين في القارب صور أكفانهم المنسوجة بخيوط تآمر العالم ... ومع كل حركة جموح وميلان للقارب كانت مسامير الخذلان تدق في نعوشهم المسجاة في قيعان البحار وفوق رمال الشواطئ ... اهتزّ القارب بشدة .. علت الأصوات لتلامس عنان السماء ... حاولت الأم الإمساك بطفليها بكل ما استجمعت من قوة أمومة العالم ... لكنها فقدت القدرة على السيطرة على نفسها ... وفقدت الطفلين في زحمة الصراخ المتلاشي تحت الماء الذي يبتلع أجسادهم كحوت كبير متوحش ... كانت  أصوات الموت تتعالى مع انطلاق الفقاعات من الأفواه التي فقدت القدرة على الاستنشاق .. والأيدي كانت ماثلة فوق سطح الماء ..تلوح  مودعة أحب...

أزمة كرامة...

كان محمدٌ يقودُ السيارة بصعوبة وحذرٍ في الطريق الموحل بعد أن عبثت  بسطحه  مئات السيارات التي تنقلُ الفارّين من الموت إلى أماكن أكثر أمنا وأمانا.. فعاثت عجلاتُها في الطريق فسادا... أسندَ والده الحاج زكريا رأسه إلى الكرسي بوجهٍ اعتلاه الإرهاق وعينين مغمضتين على فصولٍ مأساوية تأبى أن تبرحَ مخيلته المكتظة بصور الحقائب والامتعة  النساء والأطفال والشيوخ...  لم يشأ محمدٌ إيقاظ والده أملا منه أن يرتاحَ قليلا  لهولِ ماشهده من كوارث هذا اليوم... كان الوقتُ يقترب من المساء.. والشمس منشغلةً بلملمةِ بقايا نورها من على سطوح الموجودات .. فتخطف بذلك تدريجيا إمكانية الرؤية الواضحة بمساعدة بعض الضباب...  ووتيرة البرد تتصاعد باضطراد ملحوظ ..   وفجأة لاحت لمحمدِ ثلةٌ من البشر على هيئة أشباح يفترشون جانبًا من  الطريق يتسيده الوحل والصقيع .. أشعلَ النورَ الاماميّ لسيارته كي يتبيّنَ أمامه ،  وضغط بخفةٍ على مزمار السيارة..  أفاق الحاج زكريا مذعورا .. فرك عينيه وأدنى رأسه من الزجاج الامامي ماسحا البخار المتكاثف بيمينه .. قال لمحمد: توقّف يابني ..  لابد أنهم...

رحلة ...

كعادتها روحي لا تزال معلّقة هناك.. وراء ذاك الشريط الشائك.. ترسم في الأفق البعيد.. ملامحَ رحلة خلبية التقاسيم.. إلى جوار قبر زوجي الحبيب...  فقد أعلنت جوارحي  استسلامها لسطوة الشوق.. حشرت بين أوردتي آلافا من الأقلام الملونة..  يترأسها اللونُ الأسود كزعيم عصابة... يقطّبُ حاجبيه على سبيل تصدير الهيبة والعنجهية .. فترضخ كل الوان الفرح لجبروته... فيمتصّ بريقَها .. ويشلّ حركتها.. ينفثُ ما بداخله من قتامة...  يلوّن بها أحجار قبره الصماء ...   فتعترض باقي الألوان...  تنتظم في نسقٍ واحد.. مثلما يصطفّ اللاعبون أمام مرمى كرة القدم..  يستعدّون لصدّ الكرة... هي ضربة جزاء يتيمة..  القلم الاسود يراوح في مكانه استعدادا لإصابة الهدف.. تندّ عن شفتيه ابتسامةٌ مغمّسةٌ بالغرور والتعالي .. فهو يدرك أنه المستولي الأوحدُ على كل الألوان... أطلقت أحلامي القابعةُ في علبة الألوان صافرةً توعزُ بالتسديد... رجِعَ عدّةَ خطوات إلى الوراء...  ثم أقبل يركلُ الكرة بقدمه اليسرى .. ربما استخفافا واستهانة بحجم المباراة ...وربما فرطُ غرورٍ استولى على كيانه.. إزداد التصاقُ الأ...

"" تذكرة سفر ""

أغلقت حليمة  باب غرفتها المستأجرة فوق سطحِ إحدى العمارات القديمة في ذاك الحيّ الشعبيّ القديم وسطَ العاصمة مراكش ... وكعادتها عندما يهبطُ المساءُ .. أسدلتِ الستارةَ الرثةَ التي تنسدلُ باستسلامٍ مقيتٍ على نافذتها اليتيمة ... رمت نفسَها فوق سريرها ذي النوابضِ الصدِئة محاوِلةً صمّ أذنيها عن الضوضاءِ في الخارج ... صوتُ مذياعِ المعلم جابر الذي يجلجلُ عالياً بأغانٍ هابطةِ المستوى ... فيلوثٌ فضاءً الحي  ... وصوتُ جارِهم الذي يزأرُ عالياً لإيواءِ حماماته الشارداتِ هنا وهناك ... وأولادُ الحي الذين لم يروُوا نهمَهم للّعبِ بعد ... شعرت حليمةٌ بصداعٍ شديدٍ بعد يومِ عملٍ طويلٍ في المطعمِ القريب من منزلها تخلّلتْهُ نبراتٌ حادّةٌ من صاحب العمل .. نخرت عتباتِ إنسانيتها المتهالكةِ فوق ركامِ بؤسِها وشقائِها ...كانت روائحُ الطعامِ في المطعم لاتزال تسيطرُ على مخيلتها الشمّية فتُفقِدُها الشهيةَ للطعام ولأي شيء آخر ... عشراتٌ من صورِ القهر تتواردُ يوميًّا على شاشةِ  دماغِ حليمة حين تأوي إلى خلوتها المعتادة ... فتتذكرُ جنازتي والديها اللذين تُوفيا تِباعًا بفارق سنة واحدة .. وصورَ أخوتِها وزوجاتِ...

تاء التأنيث....

 مزقت جميع قصاصاتها الورقية التي خبأتها بين دفتي كتبها المدرسية القديمة ...ورمتها من نافذة قصرها الشامخ مع بعض بتلات  الياسمين المحنطة منذ سنين .. تهاوت القصاصات سابحة في ذاك الفضاء الفاصل بين مقعدها الرزين في الأعلى  وبين سطح الأرض ... رمقتها بحزن ... كانت تناشد من أعماق نفسها قانون الجاذبية ليتوقف قليلا .. كانت تود لو يتجمد المشهد برمته ...لترى آخر محتويات حقيبة ذكرياتها معلقة بالفضاء أمام عينيها الثكليين  ...انهمكت كفاها بمسح عبراتها المتدحرجة بغزارة فوق خديها الشامخين ... وبرقت عيناها من فرط اغتسالها بالدموع ...فبدت أكثر سحرا وجمالا ... خانها قانون الجاذبية الأرضية ...فأردى قصاصاتها صرعى تدوسها نعال العابرين ... تنهدت من أعماق قلبها ألما  ... أحست أنها مزقت بدم بارد  كل امتيازاتها المدرسية ..ووثائق تفوقها ... وعبارات الإطراء من أساتذتها ... وتقييمات آخر العام الدراسي التي كانت مثار فخر لها أمام أقرانها ... شعرت بضيق يعتلي صدرها ... نظرت إلى ساعة معصمها ... رأت عقاربها ترمقها ساخرة ...   أحست أنها أصبحت مهزلة العصر ... يزدريها كل ما يحيط بها .....

وفي عمق الروح..

 وفي عمق الروح..  رحت أفتّش عن بقاياك .. ظننتُ لفترة أنها كانت مجرد بقايا.. لكنني تعثرتُ بقلبي ينبض بك.. ينظمكَ قصائدَ عشقٍ مدوّية ..  ارتطمتُ بزجاجات عطركَ الثمين.. تنهال قطراتُها لتغرقَ روحيَ  المتعطّشةِ إلى كسرة عناق..  غلّقتُ عليك أبواب الروح.. وقالت جوارحي لقلبك:  هيتَ لك.. ورأيتُ قميصَ شوقي قد قُدّ من قُبُلٍ ... لم أُبالِ بنسوةِ المدينة... ولابكيدهن العظيم.. وسأظل يايوسفيّ الحسن .. زليخاكَ العاشقةَ أبدا.. فألقِ بقميصك المضمخ بعرقِ  الخلود على قلبي... كي يرتدّ بصيرا.. فادية حسون.

عند بوابة المساء ..

 عند بوابة المساء .. أقف بلا كلل .. أنتظر ذاك الغائب البعيد ..  ليأتي فاتحا ذراعي الشوق .. وأنا أتأهب لمعانقة عطر الياسمين ..  قهوتي تغلي ...  أبخرتها تكاد تزكم أنف الإنتظار .. ويتسمّرُ فنجانان عند أفق الغياب .. تتأهب حوافهما لملامسة شفاه الشوق .. أحدّق عند نهاية الطريق .. علّه يأتيني ليؤنسَ وحشة المساء .. وينتقي لقلبيَ أجمل الأثواب ..  ويزيّنُ حلمي بقلادات من الحنين .. وتمطرني سحرا زجاجات عطرك المعتّق في خوابي الروح... ثم لا تلبث أن تصفع روحيَ حقيقةُ الغياب.. فيبرد جمرُ الانتظار .. وتبرد معه قهوتي المسائية .. وتلقي خيبتي على روحي ألف تحية. .. مساؤكم  قهوة نحتسيها  برفقة الرائعين .. ✍️فادية حسون 

فوق مساحة عينيك الغائبتين ..

 فوق مساحة عينيك الغائبتين .. تسكن القوافي ... وتتدفق الكلمات ... تود الانعتاق من أسرِ المسودّات ... لتسقطَ فوق سطوريَ الأنيقة ....  فوق أوراقي المشتاقة  لنورك الذي سرقته  من خيوط الشمس ... ولعطرك المنهال فوق طيفك بالأمس ... لتنهدات صدرك الحنون .. وقلبك وحبك المكنون .. فيشرئب شعري  كإعصار مجنون .... ليغرقَ قصائد الشعر الأزلية.. ويبسطَ نفوذَه  بكل همجية ... وأنا أغرف وأغرف من بحر عينيك  المكتظتين بالمعاني إذ لا حدود ..  لا انتهاء  لبحر الأبجدية ... فأنظر بعينيَّ إلى قبة السماء ....  لأرى القمر قد فر على استحياء  فما تزال عيناك تفيض بالضياء ... وسرعان ما أدركت سر فرار القمر  من ساحة القضية ... ✍️فادية حسون..

أزمة كرامة....

كان محمدٌ يقودُ السيارة بصعوبة وحذرٍ في الطريق الموحل بعد أن عبثت بسطحه مئات السيارات التي تنقلُ الفارّين من الموت إلى أماكن أكثر أمنا وأمانا.. فعاثت عجلاتُها في الطريق فسادا... أسندَ والده الحاج زكريا رأسه إلى الكرسي بوجهٍ اعتلاه الإرهاق وعينين مغمضتين على فصولٍ مأساوية تأبى أن تبرحَ مخيلته المكتظة بصور الحقائب والامتعة النساء والأطفال والشيوخ...  لم يشأ محمدٌ إيقاظ والده أملا منه أن يرتاحَ قليلا لهولِ ماشهده من كوارث هذا اليوم... كان الوقتُ يقترب من المساء.. والشمس منشغلةً بلملمةِ بقايا نورها من على سطوح الموجودات .. فتخطف بذلك تدريجيا إمكانية الرؤية الواضحة بمساعدة بعض الضباب...  ووتيرة البرد تتصاعد باضطراد ملحوظ ..   وفجأة لاحت لمحمدِ ثلةٌ من البشر على هيئة أشباح يفترشون جانبًا من الطريق يتسيده الوحل والصقيع .. أشعلَ النورَ الاماميّ لسيارته كي يتبيّنَ أمامه ، وضغط بخفةٍ على مزمار السيارة.. أفاق الحاج زكريا مذعورا .. فرك عينيه وأدنى رأسه من الزجاج الامامي ماسحا البخار المتكاثف بيمينه .. قال لمحمد: توقّف يابني .. لابد أنهم يحتاجون مساعدة ..  بدا الذعرُ مرسو...

أيلولٌ شاحب...

  حزم أمتعةَ روحِه الذّابلة...  لملمَ بقايا اليخضور في قلبه المثخن باللاانتماء..  ترمقُه عيدانُ سورِهِ الخشبي بلوعة...  تحاولُ الاحتفاظَ ببقايا بصماتِ كفّيه وهو يدقُّ مساميرَ الأمان في أطرافها....  وتشيّعه بحرقةٍ تربةُ ذاك المكان.. التي كانت تتوضأ بحبيبات عرقِ بؤسه خرافي التقاسيم...  لم يشأ أن يلتفتَ إلى الوراء..  خشية أن تراوده رغبةُ البقاء عن نفسها ...  فيصبو لها... شمسُ أيلولَ الخجولة...  كانت تتسيّد عنان المشهد ... تلقي بظلالها الترابية على الأشياء...  فتكرّس في نفسه الرغبة في الرحيل...  كانت خطواته متثاقلة..   كوقعٍ جنائزيّ الهوى..  تطبعُ مواقع قدميه على الأرض للمرة الأخيرة..  تزقزق وريقات الخريف اليابسة تحت نعليه امتعاضًا وحسرة... تمامًا كما ميّتٍ يُحتضرُ متأثرًا بسكرات الموت ...  والتي لاتزال لغزًا خفيّا على بني البشر...  انفردَ به الله عزّ وجلّ دونًا عن المخلوقات .. ظلّ مثبّتًا نظره في نقطة اللانهاية... علّه يدركُ  وجهة سيره مجهولة التفاصيل...  لم يكن يأبهُ بصفير العاصفة المباغتة.....

دمعة على خدّ الياسمين... الجزء الخامس والأخير...

كان ذاك الإكتشاف الحضاري الذي يُدعى ( طائرة ) .. يحرّض هامةَ أحمد للانحناء إنبهارا وتعظيمًا..  لاحظَ كيف تتوغل بجسدها الضخم في بطن الغيوم بكل انسيابية وثقة .. وكيف تحلّق فوق البحار والمحيطات والمدن الكبيرة... شعر أنه أصبح في عالم غريب لم يألفه من قبل..  تجوّل ببصره فوق مساحات الوجوه المسافرة معه.. هناك وجوه تشبه وجهه المثقل بالبؤس.. لابد أنهم من بلد الياسمين.. تغمر وجوههم ملامح الرحيل والفطام المر وآثار الدموع .... ولاحظ أيضا  وجوهًا مطمئنة يبدو أنها اعتادت السفر مرارا وتكرارا..  كان وكل بضع دقائق يراقب ساعة معصمه الأيسر التي كانت تُظهر مهارة العد التنازلي لساعات الوصول..  ( ربع ساعة ونكون في مطار ميونخ ) ... بهذه العبارة الذاخرة بالبشرى والالمِ معًا.. أيقظه صوت المضيفة من شروده كوخزة مسمار حادّ أتت في لبّ سكونه .. استعدّ للهبوط على أرض المطار بانصياعٍ شديد.. مثل ملكٍ مكابرٍ خلعوهُ عنوةً عن كرسيّ عرشه ...  ترجّل أحمدُ أخيرا.... هبط ببطء على سلم الطائرة.. توجه إلى قاعة الإستقبال التي كانت تغص بحشود المستقبلين وأكثرهم سوريون تتراقص ملامحهم شوقا للقاء أحبتهم.....

دمعة على خدّ الياسمين.. الجزء الرابع ...

أخْفضَ سائق السيارة صوت الأغنية الصاخبة حين لاحظ أن الموقف يستدعي مزيدا من الاحترام لدموع هذا الرجل التي كانت تتسيد المشهد كبطل سينمائي حصد كل الاضواء.. كان أحمد قد إدّخر في جيوبه الكثيرَ من المناديل الورقية تحسُّبًا لمفرزات العينين التي ستترافق حتمًا مع مفرزات الأنف الغزيرة لحظة انسلاخه عن رحمِ الشام.... مضت السيارة في شوارع دمشق مثل جنازةٍ ذات موكب خجول يكاد يخلو إلا من عمال المقبرة وبعض المقربين من الراحل  .. ومع كل دورة كاملة للعجلات.. كان قلبُ أحمد يتوجّع .. وخفقانه يتعاظم.. وعبراته تزداد هطولا كمطرٍ غزيرٍ جاء بعد  صلاة استسقاءٍ صلّاها بعضُ الأتقياء الصالحين.. شعر أن الطريق إلى مطار بيروت معبّدٌ بأوردته وشرايينه.. كانت عيناه تقيم حفلًا تأبينيّا لآخر الملامح من شامه العشق.. والمشاهد الأخيرة التي تمضي بسرعةٍ فائقة أمام عينيه  كانت تقفز برشاقة إلى ذاكرته لتتخذ لها مسكنًا أبديّا عصيّا على الهدم والتدمير...  وشيئا فشيئا بدأت أبنية الشام تتلاشى من أمام ناظريه.. شعر أن الطريق الإسفلتي الأسود يتحوّل إلى حيّةٍ عملاقةٍ تبتلعُ تفاصيلَ الشامِ الحبيبة بكل نهمٍ وهمجيّة... وأن...

دمعة على خدّ الياسمين .. الجزء الثالث..

  ليلة مغادرته أرض الوطن... كان أحمد منهمكا في تجهيز حقائبه التي حشر فيها بعضًا من الأمنيات البريئة والمتمثلة كلها ( بغدٍ أفضل ) .. يبدو أنه على السوري أن يخفض سقف أمنياته يومًا بعد يوم..  وهاهو أحمدُ يُسرِف في خفضها حتى أنها تكاد تلامس فروة رأسه الذي غزاه الشيبُ كزائرٍ فظّ غليظِ القلب.. كل قطعة ثياب كان يضعها في حقيبته.. كانت تروي قصة اقتنائه لها... والأماكن التي زارها وهو يرتديها  مزهوّا بوسامته المتوّجة بربطة عنقه الأنيقة..  الكثير من الدموع كانت تنفلت بانصياع مطلق من بين أجفانه الكليلة.. و كانت تبلّل محتويات حقائبه .. وتحرّض قلبه على المزيد من الخفقان.. لابد وأنها رهبة السفر..   كثيرًا مايشعر المرء بالانقباض قبيل سفره بساعات..  لكن هذا السفر بالذات لايشبهه سفرٌ على الإطلاق!!!  إنه أشبهُ باقتلاع سنديانةٍ عريقة من جذورها وما أصعبها من مهمة... أو إنه أشبهُ بفطامِ الرّضيع عن صدر أمه قبل أوانه.. أو ربما يشبه اقتلاع ضرس سليم دون تخدير مسبق....  اقترب العدُّ التنازلي للرحيل..  وقلبُ أحمدَ يهذي باستسلامٍ كأراملَ نائحاتٍ عند توابيت بعولتهن ال...

دمعة على خد الياسمين الجزء الثاني

كانت من عادات أحمد الرمضانية أن يسهر حتى وقت السحر.. منفردا في غرفته جالسا وراء شاشة جواله ليتابع أخبار العالم وليتواصل مع أحبته وأصدقائه... وحين يشعر بضيق يعتلي صدره.. كانت تتبادر إلى ذهنه الآية الكريمة( ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب ) .. فينهض مشمّرًا عن ساعديه ليتوضأ .. ثم يفتح كتاب الله ويتلو ماتيسّر له من آي الذكر الحكيم.. ثمة ارتياح نفسي يسارع إلى اقتلاع ضيقه من الجذور.. فيستضيف صدرُه سكينة الكائنات كلها.. وتصغر كل المعضلات في حضرة نسائم الإرتياح الروحي الذي أحدثته حلاوة القرآن في قلبه المتخبّط..  كانت ملامح طفله الصغير ذي الأعوام الثمانية تتسيد قائمة الشوق لديه من بين أولاده الست ... فكان كل الوقت منهمكا في تخزين فيض من الأبوّة التي لم يرتوِ  صغيره منها بعد ..ويدخرها  ليغرقه بها حين يلقاه.. بالإضافة إلى شوقه الكبير إلى رفيقة دربه التي أرهقها غياب الزوج والحبيب..  فكانت تضيع بين ازدواجية الدورين.. أبٍ وأمٍّ معًا.. لأولاد انغمسوا في المجتمع الأوربي كغواص غرّ لا يتقن فن الغوص... استسلم أحمد لنومٍ عميق بعد أن أدّى صلاة الفجر.. وأسبل جفنيه مطبقًا على حلمه  وهاجس...

دمعة على خد الياسمين ..الجزء الأول...

عاد أحمد إلى غرفته المستأجرة فوق سطح إحدى العمارات الحجرية  القديمة في دمشق...بعد نهارٍ رمضانيّ شاقٍ أمضاه متنقلًا بين وزارة الخارجية ومركز الهجرة والجوازات....  كان حلم الإلتحاق بأسرته التي سبقته منذ أكثر من ثلاثة أعوام إلى أوربا يتأرجح أمام ناظريه كمشنقة معلقة في سقف وطنه الجريح .. تنوس ببطء شديد ... وهي تلعن الحرب اللعينة التي جعلت من السفر حلمًا لكل سوري مظلوم..   فتح باب الغرفة بيدين ترتجفان إرهاقًا وقيظًا وسطَ رمضاءٍ أعيت الكبير والصغير.. و أخذ يحوقل  بشفتين التصقتا ظمأ على أنغام معدةٍ تتضور جوعًا ...  و كرغيف خبزٍ خرج لتوّه من تنورٍ متوهجٍ .. رمى جسده المنهك على سريره المبعثر .. بينما صور موظفي الخارجية تمرّ أمام ناظريه كنعوش تواري بداخلها بقايا حلمه في الذهاب إلى أسرته التي يكاد شوقه إليها يضاعف سنواته الستين... بقي ساعتان لأذان المغرب.. ولايزال أحمد ممدّدا في سريره محاولا صمّ أذنيه عن ثرثرة أفكاره المشاكسة.. ثم فجأة تذكر أن عليه أن ينهض ليحضّر شيئا ما ليأكله.. فتح باب الثلاجة محاولا تجنب النظر إلى قارورة الماء المثلّج التي كانت ترمقه بسخرية.. فيمجّ...

ذهبٌ عتيق.. (( الخابية ))الجزء الثاني

خمسة عشر عاما ولم تتوقف جدتي يومُا عن نقل الماء من نبع القرية ذي الطريق الوعرة  إلى الخابية المركونة إلى جذع السنديانة الشامخة ... لم تكن ترومُ مجدًا.. ولا سمعة  ولاتطبيلا..  كان عملًا معجونا بمياه فطرتها السليمة.. فطرةِ الخير التي وُلد البشر كلهم عليها .. لكن جدتي حافظت على فطرتها نقية لم تلوّثها الأنانية أو الرياء.. كانت تستمتع كثيرا وهي تراقب من وراء نافذة بيتها الطيني القديم ( الطاقة )  منظر الشاربين وهم يتمتمون بدعوات صادقة من القلب.. فيبرد عرقهم الذي ذرفوه وهم يسيرون على الاقدام لمسافات طويلة أقلها خمسة كيلومترات.. كم من القصص الطريفة تم تبادلها في هذا المكان.. وكم من قصص التعارف والصداقات  ولدت تحت ظل السنديانة وكانت الخابية شاهدة عليها وبقيت إلى يومنا هذا.. وكم من المتخاصمين تصالحوا  بشربة ماء من خابيتها الغالية.. فحين يُروى الظمأ تُروى النفوس بالعظمة  وتزول الاحقاد وتُجتثّ الخلافات.. وكأن جدتي قد عتّقت   داخل خابيتها الكثير  الاصالة والقيم  وحب الخير وروح التآلف.. ربما لايعرف الكثيرون من الذي ملأ الخابية بالماء .. إلا أنهم ...

ذهبٌ عتيق .. (( الخابية )) الجزء الاول

         لم أكن أتصوّر أبدا أن يأتي يومٌ أتكلم فيه عن إمرأةٍ ماتت منذ أكثر من أربعين عاما وربما نسيها الزمن..  في سنة 1995 أتيتُ عروسا إلى قرية نسيبين التركمانية المكان الذي أعتز به وبأهله الطيبين الودودين..  كانت هناك شجرة سنديان عريقة تنتصب بشموخ مقابل مدخل بيتنا.. تعرّشُ عليها داليةٌ من العنب تتشبّث بها كما يتشبثُ الجنين برحم أمه... والقصة التي لاتزال منقوشة في ذاكرة وجداني هي قصة( الخابية ) .. التي كان يتناقلها باعتزاز كل أهل القرية...  كانت جدة زوجي وهي في عمر السبعين قد حفرت حفرة بجانب جذع الشجرة بعمق ثلاثين سنتيمترا وأجلست بداخلها خابيةً فخارية قامت بتطيينها مع الارض كي تثبُتَ في مكانها.. ثم تذهب إلى نبع القرية الذي يبعد 800 متر عن مركز الخابية لتملأ جرّة تتسع لعشرين ليترا من الماء البارد العذب ثم تحملها على ظهرها  وتقطع ذاك الطريق الوعر المكتظ بالحجارة والحفر ( صعودا )  وتصبّ الماء في الخابية الثابتة المغطاة بمقطعٍ خشبي دائري الشكل مأخوذ من جذع شجرة يعلوه وعاءٌ معدني ( سقرق ) مربوط من ممسكه بخيطٍ مثبتٍ في مسمار دقّته جدتي في جذع ...