ذهبٌ عتيق.. (( الخابية ))الجزء الثاني
خمسة عشر عاما ولم تتوقف جدتي يومُا عن نقل الماء من نبع القرية ذي الطريق الوعرة إلى الخابية المركونة إلى جذع السنديانة الشامخة ... لم تكن ترومُ مجدًا.. ولا سمعة ولاتطبيلا.. كان عملًا معجونا بمياه فطرتها السليمة.. فطرةِ الخير التي وُلد البشر كلهم عليها .. لكن جدتي حافظت على فطرتها نقية لم تلوّثها الأنانية أو الرياء.. كانت تستمتع كثيرا وهي تراقب من وراء نافذة بيتها الطيني القديم ( الطاقة ) منظر الشاربين وهم يتمتمون بدعوات صادقة من القلب.. فيبرد عرقهم الذي ذرفوه وهم يسيرون على الاقدام لمسافات طويلة أقلها خمسة كيلومترات.. كم من القصص الطريفة تم تبادلها في هذا المكان.. وكم من قصص التعارف والصداقات ولدت تحت ظل السنديانة وكانت الخابية شاهدة عليها وبقيت إلى يومنا هذا.. وكم من المتخاصمين تصالحوا بشربة ماء من خابيتها الغالية.. فحين يُروى الظمأ تُروى النفوس بالعظمة وتزول الاحقاد وتُجتثّ الخلافات.. وكأن جدتي قد عتّقت داخل خابيتها الكثير الاصالة والقيم وحب الخير وروح التآلف.. ربما لايعرف الكثيرون من الذي ملأ الخابية بالماء .. إلا أنهم كانوا خلال مسيرهم المحفوف بالظمأ والتعب كانوا يستبشرون خيرا وهم يحقنون أنفهسهم العطشى بجرعة من اليقين بأن هناك يدًا خيّرةً ملأت الجرة بالماء العذب البارد..
حملته فوق ظهرٍ متقوّس في حضرة تقادم السنين.. وأنفقت الكثير من اللهاث والتعب ذهابا وإيابا..
عاشت جدتي مئة وخمس سنين ..نستطيع القول من أعماقنا أنها قضتها بالصلاح والتقوى
ماا أحوجنا إلى تلك القلوب الآن.. ومااا أحوجنا إلى إمرأة فولاذية الهمة كجدتي لتعلمنا الصبر والإيثار..
حقا أنك ذهبٌ عتيق ياجدتي ...
بقلم: فادية حسون.
تعليقات
إرسال تعليق