دمعة على خدّ الياسمين.. الجزء الرابع ...


أخْفضَ سائق السيارة صوت الأغنية الصاخبة حين لاحظ أن الموقف يستدعي مزيدا من الاحترام لدموع هذا الرجل التي كانت تتسيد المشهد كبطل سينمائي حصد كل الاضواء.. كان أحمد قد إدّخر في جيوبه الكثيرَ من المناديل الورقية تحسُّبًا لمفرزات العينين التي ستترافق حتمًا مع مفرزات الأنف الغزيرة لحظة انسلاخه عن رحمِ الشام.... مضت السيارة في شوارع دمشق مثل جنازةٍ ذات موكب خجول يكاد يخلو إلا من عمال المقبرة وبعض المقربين من الراحل  .. ومع كل دورة كاملة للعجلات.. كان قلبُ أحمد يتوجّع .. وخفقانه يتعاظم.. وعبراته تزداد هطولا كمطرٍ غزيرٍ جاء بعد  صلاة استسقاءٍ صلّاها بعضُ الأتقياء الصالحين.. شعر أن الطريق إلى مطار بيروت معبّدٌ بأوردته وشرايينه.. كانت عيناه تقيم حفلًا تأبينيّا لآخر الملامح من شامه العشق.. والمشاهد الأخيرة التي تمضي بسرعةٍ فائقة أمام عينيه  كانت تقفز برشاقة إلى ذاكرته لتتخذ لها مسكنًا أبديّا عصيّا على الهدم والتدمير...

 وشيئا فشيئا بدأت أبنية الشام تتلاشى من أمام ناظريه.. شعر أن الطريق الإسفلتي الأسود يتحوّل إلى حيّةٍ عملاقةٍ تبتلعُ تفاصيلَ الشامِ الحبيبة بكل نهمٍ وهمجيّة... وأن عجلات السيارة متواطئة مع لعنة الحربِ في البلد .. 

كانت يدا أحمد منهمكتين كل الوقت في تجفيف العبرات التي كادت تحرق الخدين.. بينما مجرى الدمع يئن وجعًا في حضرة الهدر وفرط الانهمار.. كان السائق كل برهة يسترق النظر إليه من خلال المرآة.. شعر بالعجز عن مواساته وآثر الصمت وابتلاع كلماته التي كادت تنفجر نزقا وفضولا..  

بعد ساعات قليلة.. وصل أحمد مع أمتعته إلى مطار بيروت الدولي .. كان المطار يغصّ بالناس ذوي الجنسيات المتعددة .. فبدأ باستكمال إجراءات الخروج والسفر ..  بينما أذناه كانتا مشنّفتين باتجاه ناطقي الضاد الذين كان يصادفهم في بهو المطار... أحسّ برغبة عظيمة لتخزين أكبر قدر ممكن من عبق العربية الحبيبة في أعلى ذرا الذائقة.... انتهى أحمد من إجراءت السفر وجلس على مقعدٍ ينتظر موعد الطائرة.. نوع من السلام مرّ كبرد اليقين على قلبه وجوارحه .. تماما كما يشعر المرء حين يُدفن شخصٌ غالٍ باحساس غريب من الطمأنينة يختلف عن حالة الهيجان والحزن قبل الدفن.. تذكّر أحمد مقولة أبيه رحمه الله( وجه التراب بارد يا بني ) .. 

وبعد ساعة من الانتظار.. هزّه صوت مكبّر الصوت الذي أعلن عن وصول الطائرة التي ستقلّه إلى مطار ميونخ.. شعر بانقباض كبير.. إنها رهبة السفر والانطلاق تعود من جديد لتسيطر على جلّ جوارحه..  

صعد أحمد إلى متن الطائرة كمتهمٍ بريئ يتجه ظلمًا إلى ساحة الإعدام..  جلس في مكانه المخصص بجانب النافذة.. دفن رأسه المنهك بين راحتيه.. اعتصره بشدة.. آملا أن يحدّ من عنف الصداع.. وماهي إلى دقائق معدودة حتى أفاق من نوبة الصداع على صوت مضيفة الطيران وهي تنبّه الركاب لربط أحزمة الأمان وإغلاق الهواتف النقالة.. امتثل أحمد الى الأوامر.. يبدو أنه إعتاد على الإذعان لأي أمر كان.. وانطلقت الطائرة ببطء من مطار بيروت.. وأخذت تعلو شيئا فشيئا.. وقلب أحمد يدعوها بتوسّل للهبوط في مطار عمره المتروك هناك في شرفات الياسمين المهجورة.... وفي حارات الشام العتيقة..وأثناء مضي الطائرة في سماء البلدان المختلفة قرر أحمد وبقوة أن ينفض رأسه من كل تلك الآلام كي يستعدّ لملاقاة أسرته التي تنتظره في المطار بشوقٍ كبير... 

القصة لم تنتهِ بعد...

فادية حسون..

22/7/2018

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عرسٌ شعبي _3_الخطبة

عرسٌ شعبي 1

خواطر....