دمعة على خدّ الياسمين .. الجزء الثالث..

 

ليلة مغادرته أرض الوطن... كان أحمد منهمكا في تجهيز حقائبه التي حشر فيها بعضًا من الأمنيات البريئة والمتمثلة كلها ( بغدٍ أفضل ) .. يبدو أنه على السوري أن يخفض سقف أمنياته يومًا بعد يوم..  وهاهو أحمدُ يُسرِف في خفضها حتى أنها تكاد تلامس فروة رأسه الذي غزاه الشيبُ كزائرٍ فظّ غليظِ القلب.. كل قطعة ثياب كان يضعها في حقيبته.. كانت تروي قصة اقتنائه لها... والأماكن التي زارها وهو يرتديها  مزهوّا بوسامته المتوّجة بربطة عنقه الأنيقة..  الكثير من الدموع كانت تنفلت بانصياع مطلق من بين أجفانه الكليلة.. و كانت تبلّل محتويات حقائبه .. وتحرّض قلبه على المزيد من الخفقان.. لابد وأنها رهبة السفر..  

كثيرًا مايشعر المرء بالانقباض قبيل سفره بساعات..  لكن هذا السفر بالذات لايشبهه سفرٌ على الإطلاق!!! 

إنه أشبهُ باقتلاع سنديانةٍ عريقة من جذورها وما أصعبها من مهمة... أو إنه أشبهُ بفطامِ الرّضيع عن صدر أمه قبل أوانه.. أو ربما يشبه اقتلاع ضرس سليم دون تخدير مسبق.... 

اقترب العدُّ التنازلي للرحيل..  وقلبُ أحمدَ يهذي باستسلامٍ كأراملَ نائحاتٍ عند توابيت بعولتهن المسجّاة في محاريب الإنهزام.... شعر برغبة كبيرة في النوم دونما إفاقة على سريره الذي بدا الليلة أكثر فوضوية وتبعثرًا من ذي قبل ...  تمنى أن تكون هذه التفاصيل المؤلمة كابوسًا سيفيق منه بعد قليل... تمنى أن يغطّ في نومٍ عميقٍ ثمّ يستيقظُ فيخبرونه أن موعد الطائرة قد فاته... 

كانت آخر كلمات الوداع لمحبوبته عبر الانترنت  تنخر شغاف قلبه.. وتُسقِط روحه صرعى.. مثل فارسٍ جَمَحَ جوادُه فجأةً وأسقطه بين حوافره الهائجةِ فمزّقته شرّ تمزيق..

كان يتمتم بشفتيه المرتعدتين طوعًا في حضرة المشهد المهيب.. :

 ربّاه هل سيتّسع هذا القلبُ لهذا الكمّ الهائل من الحزن.... فكيف سأقوى على فراقك ياشام.. وأنّى لقلبي أن يهنأ دون خريرك يابردى.. وأنى لي بوقفة شموخٍ على ذروة كذروتك ياقاسيون.. ترى!! .. هل سأراك مجددا وانت مكللٌ بثلوجك البهية وهي تعقد قرانها على شعاع الشمس كل صباح.. سأفتقدك ياحارات الشام القديمة.. ويا سوق الحميدية  ومدحت باشا والبزورية... سأفتقدك ياشرفة غرفتي القبلية.. وسأشتاق لوجه القمر فوق شرفتي الذي يطلّ منه وجهُ محبوبتي كل مساء.. 

ومحبوبتي... ااااااه من فراقك ياجارة الروح... 

إنك تشبهين دمشق يا عطر الفؤاد .. وعرائش ياسمينها النقي.. وصوت فيروز الذي يدغدغ مسامع الروح كل صباح.. وتشبهين صفحة قهوتي السمراء التي تتراقص أمام ناظريّ  غامزةً كغجريةٍ احترفتِ السحر و الاغواء... وأسقطتني صريعا في هواها دونما سابق إنذار... 

تذكر أحمد أن أذان الامساك قد اقترب.. تناول كأسَ ماءٍ بارد زلال .. وكمشهدٍ سينمائي يعرض ببطء كان يتناول الماء..  ربما تكون هذه الكأس هي الأخيرة من نبع عين  الفيجة الحبيب.. غصات كبيرة تواردت إلى حلقه المخنوق.... كانت كلها تلهجُ لاعنةً الحرب الخبيثة التي أحرقت القلوب وأغلقت الدروب..  

لم يستطع أحمد منع نفسه من البكاء بصوت عالٍ حين رُفِع أذان الإمساك الأخير له في شامه العشق.. بكى بكاءً زلزل جدران غرفته المكتظة بحقائب الرحيل..  

استيقظ أحمد في الثامنة صباحا على رنّةِ منبّه جواله .. لكنه لم يكن ليتذكر كيف ومتى أغمض عينيه..  

شعر بحقد عجيب تجاه نظام الوقت والساعات...تمنى لو تتسمر اللحظات هنا .. وأن يتحنّط الزمان والمكان داخل رمسِ أمنياته الأخيرة ... 

نزل أحمد درجات المبنى وهو يحصيها تنازليا ودون شعور .. 

فوق كل درجة ترك دمعة.. وعند كل طابقٍ ترك آهًا وأنّة... كل قرعة من نعاله كانت تقول له بطربقة تحذيرية : لقد حان موعد الفطام أيها الدمشقي المدلل .. وقد كان أحمد موقنًا أنهم لوّثوا ثديَ أمه الشام بالكثير من الطعوم اللاذعة كي يجعلوه يعافها راغما... 

وصل أحمد إلى أسفل المبنى.. فوجئ بالكثير من الأهل والأصدقاء قد اجتمعوا كلهم لتوديعه.. شعر بأن محاولاته للسفر خلسة دون إعلام أحدٍ قد باءت بالفشل.. 

المشهد الوحيد الذي تمنّى أحمد أن تلفظه ذاكرته الى الأبد هو مشهد الوداع.. الذي استنفذ كل ما تبقى من تماسكه واتزانه... 

وقبل أن يصعد إلى السيارة التي ستقلّه إلى المطار.. ناول إبن أخيه إصيصا تتوسّطه ياسمينةٌ بيضاء.. وتمتم بحشرجةٍ باكيًا: حافظوا على شام الياسمين يا عمي... 

وانطلقت السيارة حاملةً بعضَ الحقائب ..ِ تعود لشبهِ إنسانٍ يحمل في أيسر صدره خرقة رثّة أرهقتها كثرةُ الرتقِ والترقيع.. 

تُدعى قلبًا... 

للقصة تتمة....

فادية حسون ..

19/7/2018

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عرسٌ شعبي _3_الخطبة

عرسٌ شعبي 1

خواطر....