ذهبٌ عتيق .. (( الخابية )) الجزء الاول
لم أكن أتصوّر أبدا أن يأتي يومٌ أتكلم فيه عن إمرأةٍ ماتت منذ أكثر من أربعين عاما وربما نسيها الزمن..
في سنة 1995 أتيتُ عروسا إلى قرية نسيبين التركمانية المكان الذي أعتز به وبأهله الطيبين الودودين.. كانت هناك شجرة سنديان عريقة تنتصب بشموخ مقابل مدخل بيتنا.. تعرّشُ عليها داليةٌ من العنب تتشبّث بها كما يتشبثُ الجنين برحم أمه... والقصة التي لاتزال منقوشة في ذاكرة وجداني هي قصة( الخابية ) .. التي كان يتناقلها باعتزاز كل أهل القرية...
كانت جدة زوجي وهي في عمر السبعين قد حفرت حفرة بجانب جذع الشجرة بعمق ثلاثين سنتيمترا وأجلست بداخلها خابيةً فخارية قامت بتطيينها مع الارض كي تثبُتَ في مكانها.. ثم تذهب إلى نبع القرية الذي يبعد 800 متر عن مركز الخابية لتملأ جرّة تتسع لعشرين ليترا من الماء البارد العذب ثم تحملها على ظهرها وتقطع ذاك الطريق الوعر المكتظ بالحجارة والحفر ( صعودا ) وتصبّ الماء في الخابية الثابتة المغطاة بمقطعٍ خشبي دائري الشكل مأخوذ من جذع شجرة يعلوه وعاءٌ معدني ( سقرق ) مربوط من ممسكه بخيطٍ مثبتٍ في مسمار دقّته جدتي في جذع السنديانة للتثبيت..
هذه الخابية أصبحت ملاذا لجميع الذاهبين والعائدين من وإلى المدينة الذين كانوا يذهبون ركوبا على الدواب.. كانوا يتوقفون لإرواء عطشهم في أيام الحر الشديد ثم يأخذون قيلولة تحت ظل السنديانة الكبيرة التي كان ظلها يستقطبُ النسماتِ الباردةَ بسبب موقعها المرتفع ... كان إملاء الخابية بالماء البارد يتكرر مرتين باليوم صباحا ومساء.. وكانت أحيانا الجدة تقضي ساعات عدة (حسب دورها) لأن حرمَ النبعة يكون عادة مكتظا بالنسوة بسبب قلة الموارد المائية آنذاك ...
كان ذلك في نهاية خمسينات القرن الماضي وكان عمر جدتي سبعين عاما.. استمرت بهذا العمل لمدة خمسة عشر عاما..
أظنها لم تكن تدرك في ذاك الوقت حجم الخير المغلّف بإنسانية استثنائية من الصعب أن يكررها الزمان..
فكان من الواجب أن نزيح العتمة عن هذه العظمة التي غطاها تعاقب السنين...لروحها ألف رحمة ونور...
بقلم: فادية حسون.
تعليقات
إرسال تعليق