دمعة على خدّ الياسمين... الجزء الخامس والأخير...


كان ذاك الإكتشاف الحضاري الذي يُدعى ( طائرة ) .. يحرّض هامةَ أحمد للانحناء إنبهارا وتعظيمًا..  لاحظَ كيف تتوغل بجسدها الضخم في بطن الغيوم بكل انسيابية وثقة .. وكيف تحلّق فوق البحار والمحيطات والمدن الكبيرة... شعر أنه أصبح في عالم غريب لم يألفه من قبل.. 

تجوّل ببصره فوق مساحات الوجوه المسافرة معه.. هناك وجوه تشبه وجهه المثقل بالبؤس.. لابد أنهم من بلد الياسمين.. تغمر وجوههم ملامح الرحيل والفطام المر وآثار الدموع .... ولاحظ أيضا  وجوهًا مطمئنة يبدو أنها اعتادت السفر مرارا وتكرارا.. 

كان وكل بضع دقائق يراقب ساعة معصمه الأيسر التي كانت تُظهر مهارة العد التنازلي لساعات الوصول.. 

( ربع ساعة ونكون في مطار ميونخ ) ... بهذه العبارة الذاخرة بالبشرى والالمِ معًا.. أيقظه صوت المضيفة من شروده كوخزة مسمار حادّ أتت في لبّ سكونه .. استعدّ للهبوط على أرض المطار بانصياعٍ شديد.. مثل ملكٍ مكابرٍ خلعوهُ عنوةً عن كرسيّ عرشه ... 

ترجّل أحمدُ أخيرا.... هبط ببطء على سلم الطائرة.. توجه إلى قاعة الإستقبال التي كانت تغص بحشود المستقبلين وأكثرهم سوريون تتراقص ملامحهم شوقا للقاء أحبتهم..  فتتوزع أبصارهم باتجاه القادمين على متن البيروتية .. كي تقرّ العيون وتسعد القلوب... لاحت له أسرته من بعيد بأكفهم الملوحة سعادة وحبورا..  وقع بصره تلقائيا على حسام.. طفله الذي غادره في عامه الخامس.. كم كبرت  يا صغيري .. قالها وهو آخذ في احتضانه وتقبيله.. كان الجميع يسارع إلى احتضان الأب الحنون.. لمس عند بعض أبنائه لقاءا باردا ليس كما توقّع .. توسل إحساسه أن يخونه وألا يطحنه برحى الخيبة والخذلان.. لكن رفيقة دربه كانت تعانقه وهي تجهش بالبكاء .. وتمطره بعبارات الشوق والحب والحنين.. توجهوا جميعا إلى السيارة التي تنتظر خارج بهو المطار بعد أن حصلوا على الحقائب التي تحتضن بعض الهدايا التذكارية من شام الياسمين.. أصر حسام أن يجلس في حضن والده كأنه يريد أن يستأثر لنفسه بدفق الشوق والحنان كله.... اثناء سير السيارة كان بصرُ الوالد يتنقل بحذر بين اولاده الثلاثة الذين رأى فيهم شبابا فاقدي الانتماء .. مفلسين من مظاهر الطموح... فمنهم من زيّن أذنيه بقرطٍ نسائي.. ومنهم من اختار لرأسه حلاقة جعلت حاجبي الأب في حالة تقطيب دائم مترافقة مع انكماش بقلبه وروحه..  وكانت الزوجة تنظر إليه بوجه يومئ بعلامات العجز وفقدان السيطرة.. غصة كبيرة انتابت قلبه... كان يتجنب النظر من نافذة السيارة كي يحافظ على آخر اللقطات لشامه العشق.. شعر أن اي صورة جديدة ومهما بلغت من مظاهر الحضارة سوف تشوّه حلاوة المشهد.. وأنها لن تكون بجمالية بائع السوس الدمشقي الذي لايزال قرع كؤوسه النحاسية ينغمس في عمق ذاكرته السمعيه.. ولا حتى أزكى أنواع العطور الغربية لن ترتقي إلى سوية عبق ياسمين دمشق.. وصل الجميع إلى حيث تقطن العائلة.. كانت علائم الابتهاج أكثر ظهورا عند الأم وطفلها الصغير اللذي لم تلوثهما بعد تلك البلاد التي تتنكر لكل ماهو أصيل.... 

أجلس أحمد صغيره حسام بجواره على مائدة الإفطار.. بينما كانت الزوجة منهمكة بتقديم مالذ وطاب إلى زوجها التي تدرك أنه يتوق للمسة يديها تجهز له الطعام الذي يحب.. لاحظ الأب أن مائدة الافطار غير مكتملة.   سأل الأم باستغراب.. أين البقية ؟  أخفضت رأسها بأسف وحسرة.. وقالت إنهم لا يصومون.. 

ضرب كفّا بكف وهو يقول وماذا بعد.. قالت بل ومنفلتون.. صرخ بصوتٍ مجلجل  كأسد يزأر غضبا .. 

لكن لماذا.. 

ردّت بانكسارٍ :  لقد أصبتُ بعجز كبير ..  وفقدتُ السيطرة حدّ الشلل.. لم أشأ أن أزيد عليك وأنت وحيد هناك.. لكن الحقيقة تدعو الى البكاء والحسرة .. شعر أحمد بحرارة تسري في كل جسده.. كمرجل ماء يغلي كان رأسه يستعر حزنا.. بحث كثيرا عن دمعاته.. لكن المقل تحجرت لهول الكارثة الماثلة أمام عينيه كوحشٍ ضارٍ نهش  جسد أمنياته.. ولملم رفات آماله ليواريها كأشلاء متناثرة في مقبرة جماعية حفرتها أنياب الحرب اللعينة بكل همجية.. 

أنهى صيامه بشرية ماء مع لقيمات صغيرة تقديسا لحرمة الشهر الفضيل.. ثم ضم طفله الصغير إلى صدره الذي شعر كأنه يشبه تلك الياسمينة اليتيمة التي زرعها في شرفة غرفته الشامية.. والتي أوصى بها ابن أخيه حين غادر الشام... 

تدحرجت دمعة حارقة على خده الايمن ... كانت روحه قد ادّخرتها للحظة إسدال الستارة على المشهد الأخير لجثمان الياسمين المسجى في محراب روحه الملتهبة قهرا ويأسا.. 

قبيل السحور.. أفاق أحمد على يدٍ صغيرة تهزه لينهض ويتناول سحوره.. فتح عينيه ليرى  ياسمينة غضةً تختصر ياسمين الشام كله .. ابتسم صغيره في وجهه قائلا بابا الغالي: أريد أن اتسحر معك فهلّا نهضت ياشمس عمري...

رغما عنه سالت دمعة كفيلة بإرواء ياسمين الشام كله....

انتهت القصة...

23/7/2018

فادية حسون

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عرسٌ شعبي _3_الخطبة

عرسٌ شعبي 1

خواطر....