قلوب دافئة..
جذبت أمُّ أحمد طفليها إلى صدرها حين انقطع التيار الكهربائي بسبب الرعد الذي كان يدوّي في أوصالها بشراسة غير مسبوقة... استعانت ببعض النور الصادر عن شقوق مدفأة الحطب لتصل إلى قنديل الكاز المركون فوق رفّ خشبي عتيق.. أوقدته بحذر وهي تبسمل بحدقتين مذعورتين... ألقمتِ المدفأةَ بآخر قطعةٍ من الحطبِ لديها... شعرت بنهمِ المدفأةِ لالتهام الحطب في هذه الليلة الكانونية المثلجة... رجتها في سرّها ألا تنطفئ كي لايتسللَ البردُ إلى أوصال طفليها الصغيرين.. كانت عقاربُ ساعة الجدار تمارسُ اضطهادا على أعصابها المتوترة... فالوقت قد قارب من منتصفِ الليل.. ولايزال ابنُها أحمدُ ذو الربيع الخامس عشر من عمره خارجَ المنزل... كانت تخشى عليه الدهسَ تحت عجلات سيارات الأثرياء الذاهبين لقضاء ليلة رأس السنة في المطاعم الفاخرة... كانت أم أحمد تسارع كل دقيقة لنزع قطع القماش البالية التي حشرتها في شقوق الباب الخشبي كي تتبيّن قدومه بيدين فارغتين خاليتين من صناديق المناديل الورقية التي ذهب ليبيعها عند إشارات المرور...
كان أحمد لايزال غضَّ البنية نحيلَ الجسم.. ترتسمُ علائمُ الشّقاء على محيّاه الطفولي البائس...يلف جسده بمعطف فضفاض تنطق تفاصيله بعدد مرات الرتق والترقيع التي مورست عليه في حضرة الخصاصة والفقر.. كانت شفتاه ترتعشان بردًا وقهرًا حين كان يتقدم من إحدى السيارات المتوقفة عند الاشارة الحمراء.. وكانت حسرته تتعاظم حين لا يكلف السّائق نفسه عناءَ إنزال زجاج سيارته ليشتري منه المناديل... في تلك الليلة الياردة كان الصبي ينفث في كفيه كل برهة التماسا لبعض الدفء بينما نظره كان مثبّتا على إشارة المرور مترقّبًا النورَ الأحمرَ الذي يجلب إلى قلبه البريء إحساسا مغمّسا بنكهة الفرج... بقي صندوقان من المناديل في كيسه الاسود الكبير..
لمح من بعيد سيارةً فخمةً تقترب من الإشارة.. دعا ربّه في سرّه أن يظهر اللون الأحمر ... لابد وأن هذه العائلة ستنهي مأساته وتشتري مالديه ليذهب إلى أمه وأخوته لتقر عينهم ببعض الطعام والحلوى...
توقفت السيارة راغمة .. كانت أضواؤها الساطعة البارقة بأناقة مفرطة ... تختصر مدينة بأكملها أمام عينيه.. مدينة من الاحلام المجهضة... مدينة طالما حلم أن يتجول في شوارعها النظيفة.. وأن يشتري ماطاب له من الامنيات المؤجلة...
جمدت عيناه الصغيرتان على النافذة.. نقر على الزجاج بأصابعه التي تكاد تتيبس بردا..
ضغط السائق على زر إنزال الزجاج.. صافحت وجهَه موجةُ دفءٍ خرافي كانت تحتاجها روحه المضطربة... أدنى أحمد علبة المناديل من الرجل دون أن ينبس ببنت شفة.. فرمقه الرجل بنظرة ازدراء مع إشاحةِ نظرٍ ترافقت مع اغلاق النافذة..
مجّ الصبي لعابه حرجا وتحسّرا.. ثم أسرع إلى سيارة أخرى بجانبها .. ليدفن ذلّه وخيبته بعيدا عن ضجيج الموسيقا الصاخبة وروائح العطر الفاخرة..
كانت سيدة ثلاثينية أنيقة تقود السيارة الاخرى.. ابتاعت صندوق المناديل وهي مشغولة بمحادثة بهاتفها النقال الباهظ.. ومن وسط قهقهتها المخملية.. رمت إليه ببعض النقود غير آبهة بحجم الصقيع الذي يغلّف وجه الصبي..
ركض أحمد ليبيع آخر علبة لديه دون أن يلتفت إلى الإشارة الخضراء التي زغردت لها امتنانا أبواق السيارات المتوقفة...
جلس أحمد على الرصيف المغطى بالثلج دافنا وجهه بقبعته الصوفية المبتلة.. تدحرجت دمعتان من عينين نضّاختين اختزنتا بؤس العالم بأكمله.. لملم الصبي نفسه وتوجه إلى منزله ... أدار المزلاج الخشبي بحذر..
تناهت إلى سمعه تمتمات أمه على سجادة الصلاة .. فشعر أنها اخترقت مسامات جسده مدثّرة إياه بدفء لم يذق طعمه في حياته... فاحتضنته الأم حامدة.. غير آبهة بنفاد وقود المدفاة..
✍️فادية حسون
تعليقات
إرسال تعليق